جمال الدين بن نباتة المصري
71
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
وقال الخامس : سيلحق بك من سرّه موتك ، كما لحقت بمن سرّك موته . وقال السادس : كان يحكم على الرعيّة ، فصارت الرعيّة تحكم عليه . وقال السابع : كنت تأمرنا بالحركة ، فما بالك ساكنا ! وقال الثامن : ربّ حريص على سكوتك ، وهو اليوم حريص على كلامك ! وقال التاسع : كم أمات من في هذا الصندوق كيلا يموت ، فمات . وقال العاشر : كان الإسكندر يعظنا بنطقه ، وهو اليوم يعظنا بسكوته . وقالت أمه : مما يسلّى عنه ؛ المعرفة باللّحوق به . وقالت روشنك : ما كنت أظنّ أن غالب دارا يغلب . قلت : ومن كلام الإسكندر : السّعيد من لا يعرفنا ولا نعرفه ؛ فإنّا إذا عرفناه أطلنا يومه ، وأطرنا نومه . وقيل له : إنك عظّمت معلّمك أكثر من تعظيم والدك . فقال : لأنّ أبى سبب حياتي الفانية ، ومعلّمى سبب حياتي الباقية . وقال : سلطان العقل على باطن العاقل أشدّ من سلطان السيف على ظاهر الأحمق . وقال : النّظر في المرآة يرى رسم الوجه - وفي أقاويل الحكماء : « يرى رسم النفس » . وقيل له : إنّ فلانا يثلبك فلو عاقبته ؟ فقال : هو بعد العقاب أعذر ! وتحاكم إليه اثنان فقال : الحكم يرضى أحدكما ويسخط الآخر ، فاستعملا الحقّ ليرضيكما جميعا . وأحضر بين يديه لصّ فأمر بصلبه ، فقال : أيّها الملك ، إنّى فعلت ما قد فعلت وأنا كاره . فقال : تصلب أيضا وأنت كاره . وغضب على بعض شعرائه فأقصاه ، وفرّق ماله في أصحابه ، فقيل له في ذلك ، فقال : أمّا إقصائى له فلجرمه ، وأمّا تفريقى ماله في أصحابه فلكيلا يشفعوا فيه .